ابن أبي الحديد
373
شرح نهج البلاغة
يستعد للجماع عند تصور النفس صورة المعشوق ، فإذن قد صار تصور النفس مؤثرا فيما هو خارج عنها ، لأنها ليست حالة في البدن ، فلا يستبعد وجود نفس لها جوهر مخصوص مخالف لغيره من جواهر النفوس تؤثر في غير بدنها ، ولهذا يقال أن قوما من الهند يقتلون بالوهم ، والإصابة بالعين من هذا الباب ، وهو أن تستحسن النفس صورة مخصوصة وتتعجب منها ، وتكون تلك النفس خبيثة جدا ، فينفعل جسم تلك الصورة مطيعا لتلك النفس كما ينفعل البدن للسم . وفي حديث أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله رأى في وجه جارية لها سعفه ( 1 ) فقال : ( إن بها نظرة فاسترقوا لها ) . وقال عوف بن مالك الأشجعي : كنا نرقى في الجاهلية ، فقلت : يا رسول الله ، ما ترى في ذلك ؟ فقال : ( اعرضوا علي رقاكم فلا بأس بالرقى ما لم يكن فيها شرك ) . كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر ، فمروا بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم فلم يضيفوهم وقالوا لهم : هل فيكم من راق ، فإن سيد الحي لديغ ؟ فقال رجل منهم : نعم ، فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرئ ، فأعطى قطيعا من الغنم ، فأبى أن يقبلها حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وآله ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله ، وقال : وعيشك ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب ، فقال : ( ما أدراكم إنها رقية ! خذوا منهم واضربوا لي معكم بسهم ) . وروى بريدة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقد ذكرت عنده الطيرة : ( من عرض له من هذه الطيرة شئ فليقل : اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك ، ولا حول ولا قوة الا بالله ) . وعنه عليه السلام : ( ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له ) .
--> ( 1 ) السعفة : قروح تخرج على رأس الصبي . واسترقوا ، أي اطلبوا من يرقيها .